محمد بن محمد ابو شهبة
266
السيرة النبوية في ضوء القرآن والسنة
فما دنس ذلك من شرفها ، ولا أنزل من كرامتها عند ربها ، بل زادها رفعة وشرفا ، ولا تزال هذه القصة تتكرر على مسرح الحياة ، فليكن للمحصنات المؤمنات الغافلات اللاتي لا يسلمن من قالة السوء فيها عزاء وسلوى . 3 - أدب الصحابة رضوان اللّه عليهم في معاملة النساء المسلمات ولا سيما نساء النبي ، والمبالغة في توقي مواطن الريبة والتهمة ، فقد ثبت أن صفوان رضي اللّه عنه اكتفى بالاسترجاع حتى استيقظت السيدة عائشة ، وفي استرجاعه ما يدل على استفظاعه وأسفه أن تترك زوجة النبي في العراء ، ولم يكلمها قط غير أنه سألها عن شأنها وعرض عليها الركوب ، وحين الركوب أولاها ظهره ولما ركبت قاد بها ولم يسر خلفها . وقديما فعل نبي اللّه موسى عليه الصلاة والسلام ذلك مع ابنة شعيب عليه الصلاة والسلام ، فقد قال لها : سيري خلفي ودليني على الطريق ، خشية أن تضرب الريح بثوبها فتكشف أو تصف بعض جسمها . وهذا غاية الأدب والعفة ، ولذلك قالت ابنة شعيب - وقد سمعت ورأت - كما قال اللّه سبحانه : قالَتْ إِحْداهُما يا أَبَتِ اسْتَأْجِرْهُ إِنَّ خَيْرَ مَنِ اسْتَأْجَرْتَ الْقَوِيُّ الْأَمِينُ « 1 » . 4 - حسن معاشرة النبي صلى اللّه عليه وسلم لأزواجه ، ورحمته بهم ، وضبط النفس حتى في المواقف التي يستبد بالنفس البشرية فيها الغضب ، فتخرج عن حد الاعتدال فعلى الرغم مما قيل في عائشة مما يجرح القلب ، ويؤذي النفس كان يدخل عليها وهي مريضة فيسأل عنها وإن لم تجد منه صلى اللّه عليه وسلم اللطف الذي كانت تجده منه حينما كانت تشتكي ، وغاية ما يطمع فيه من بشر كريم في مثل هذا الموقف المؤلم المحيّر أن يكظم غيظه ، ويكف غضبه ، أما الملاطفة فأمر خارج عن طوق البشر ، ولن تكون إلا ممن فقد غيرته ، وذهبت من نفسه معالم الرجولة والنخوة .
--> ( 1 ) سورة القصص : الآية 26 . أما أمانته فقد حدثناك عنها . وأما قوته فقد قيل : لأنها شاهدته وهو ينحى عن البئر ، وما كان يطيق ذلك إلا الجماعة من الرجال ، وقيل : لأنها رأته وقد دفع الرعاء عن البئر على كثرتهم ، ولم يخشهم ، وسقى لهما .